صقر صرواح
07-22-2007, 10:27 AM
الفتوى الشرعية في حادث التفجير بمأرب لأبي الحسن السليماني
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ولاعدوان إلا على الظالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أما بعد :
فلقد سمعنا بهذا الحادث التخريبي الإجرامي الذي جرى في عصر يوم الأحد 16 جمادى الآخرة / 1428هـ في محافظة مأرب ، والذي خلاصته : انفجار سيارة مفخخة في عدد من السيارات التي تحمل السُّيَّاح الأجانب ومرافقيهم من اليمنيين ، والذي تضرر بسببه إحدى وعشرون نفسًا من القتلى والمصابين من السياح الأسبانيين ، ومرافقيهم –وغيرهم- اليمنيين ، كما ذكر ذلك بعض المواقع الإخبارية .
وإن هذا الحادث المروِّع الذي هَزَّ المنطقة – كما أُخبرتُ – وغيره من الحوادث المماثلة في اليمن وغيره من البلاد الإسلامية وغيرها، ليدل على وجود أناس أصحاب نوايا شريرة ، أو خضعوا لتعبئة خاطئة ، ولهم ضمائر وعقول يلعب بها آخرون .
وقد جُرِّب أن الذين يقومون بهذه الأعمال التخريبية الإرهابية، أقوام لهم مقاصد مختلفة ، ومشارب واتجاهات متعددة : فمنهم من ينتمي إلى الدعوة الإسلامية – والدعوة بريئة من عمله هذا – سواء كانوا من بعض الجماعات السنية أو الشيعية ، ومنهم من ينتمي إلى منظمات عالمية أو إقليمية – رسمية كانت أو غير رسمية – لتصفية حسابات عامة وخاصة في دولهم ، ويريدون إثارة الفتن بين جهات متصارعة سياسيًا أو عسكريًا ، وسواء كان الذين وراء هذا الحادث الإرهابي من هؤلاء أو من أولئك – فإني لا أعلم حتى الآن الحقيقة - فإن هذا عمل لايقره دين ، ولاعُرْف صحيح ، ولا عقل صريح ، بل هذه الأعمال تدل على وجود من يبيع دينه بدنيا غيره ، أو من يُسْلم عقله وزمامه لمن يذهب به إلى الهاوية ،ويعطل نعمة العقل ، التي هي من أعظم النعم ، ويكون إمَّعةً لجاهل ، أو لمتحمسٍ بلا بصيرة ، والله المستعان .
إن المرء الذي يفجِّر نفسه وغيره – بهذه الصورة المشينة – قد ارتكب عددًا من الجرائم ، منها :
1- أنه قتل نفسه ، والله سبحانه وتعالى يقول : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم : أن رجلًا جُرح ، ولم يصبر على جرحه ، فأخذ مشاقص ، وقطع بها براجمه - أي أصابعه - فما رقأ الدم – أي لم يجف الدم – حتى مات ، فقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يحكيه عن ربه عزوجل أنه قال: " بادرني عبدي بنفسه ؛ حرمتُ عليه الجنة " وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " من قتل نفسه بحديدة ؛ فهو يتوجأ – أي يطعن - بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ...الحديث ، هذا فيمن جرح أصابعه ، أو طعن نفسه بحديدة فمات ، فما ظنكم بمن يفجِّر نفسه حتى تتطاير أشلاؤه، وتتناثر عظامه ودماؤه، أو يحرق نفسه حتى يصير كالحممة السوداء ؟ فنعوذ بالله من الموت الذي يُظْلم المرء فيه داره في الدنيا ، وقبره ، وآخرته !!
2- أنه يتسبب في قتل غيره من المؤمنين الذين عصم الله دماءهم وأموالهم بشهادة التوحيد ، والله تعالى يقول :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} ويقول سبحانه وتعالى:{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لزوال الدنيا أهْون على الله من قتْل امرئٍ مسلم بغير حق " (1) وفي " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، وقتل النفس ... " .
3- أن فاعل ذلك يقتل السياح الذين دخلوا البلاد بالعهد والأمان من قبل المختصين بهذه الإجراءات ، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " من قَتَل نفسًا معاهَدةً بغير حلِّها ؛ حرَّم الله عليه الجنةأن يشم ريحها " (2) وقال أيضًا - صلوات الله وسلامه عليه - : " من أمَّن رجلًا على دمه ، فقتَله ؛ فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول كافرًا " (3) .
ففاعل ذلك يتبرأ منه المصطفى – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وذلك لخيانته العهد ، والله تعالى يقول : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }ويقول سبحانه وتعالى : {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } .
والأمان الذي يعطيه وليّ الأمر ، أو الوزارات والدوائر المختصة بذلك لايجوز هتك حرمته ، ولا الاعتداء على من أُعطي له،لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث علي بن أبي طالب – رضي الله غته - : " ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلمًا – أي نقض عهده – فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين ، لايقبل الله منه يوم القيامة صَرْفًا ولا عَدْلًا " (4) .
وقد قال العلامة البارع الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في شرح هذا الحديث في " شرح رياض الصالحين " (1) : " ذمة المسلمين واحدة ، يعني : عهدهم واحد ، إذا عاهد أحد من المسلمين ممن لهم ولايات العهد ، ثم خفر ذمته أحد ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين .
فمثلًا : إذا دخَل كافر إلى البلاد في أمان وعهد ممن لهم ولاية العهد ، أو غيرهم ممن له الأمان ، ثم خفره أحد ؛ استحق اللعنة من الله والملائكة والناس أجمعين ، لو أن كافرًا دخَل بأمان ، وآواه رجل مؤمن ، وقال له : ادخل أنت في جواري ، ثم جاء إنسان وقتل هذا الكافر – رغم أمانه من المسلم – فعلى القاتل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، نسأل الله العافية !! كيف إذا دخل بأمان ولي الأمر ، على أنه مؤتمن ، وفي جوار وأمان الدولة ، ثم يأتي إنسان فيقتله !! هذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وفي هذا دليل على حماية الدين الإسلامي لمن دخل بأمانه وجواره ، وأن الدين الإسلامي لايعرف الغدر والاغتيال والجرائم ، إنه دين صريح ، وبهذا نعرف غلط من يغدرون بالذمم ، ويخونون ، ويعتالون أناسًا لهم عهد وأمان ، وأن هؤلاء مستحقون لما أعلنه أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه – :عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، والعياذ بالله ..." الخ كلامه – رحمه الله - .
قلت : وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أمَّن رجالًا من المشركين ، كانوا يؤذون الله ورسوله والمؤمنين ، فلما كان يوم الفتح لاذوا بأم هانئ بنت أبي طالب – وهي امرأة من جملة المسلمين – وأراد عليٌّ – رضي الله عنه – قتلهم ،وقد دخلوا في أمان أخته، فأبتْ عليه أن يقتلهم ، وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما يريده أخوها علي ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " قد أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ ، وأمَّنّا مَنْ أمَّنْتِ يا أم هانئ " أخرجه البخاري ومسلم مختصرًا ، وبوّب له البخاري بقوله : باب أمان النساء وجوارهن، فإذا كان الإسلام يحترم أمان امرأة ،ويجعل أمانها من أمان المؤمنين جميعًا ، فكيف بأمان ولي الأمر ؟!
( تنبيه ) : ليس كل من كان كافرًا يجوز قتله ، وإن لم يكن معه أمان ، إنما يكون ذلك لمن يحارب المسلمين ، ويخرجهم من ديارهم ، ويظاهر على إخراجهم ، فإن لم يكن كذلك – وإن كانت دولته تحارب المسلمين – فلا تزر وازرة وزر أخرى ، ولو فرضنا أنه محارِب بنفسه ؛ فالمرجع إلى ولي الأمر ، هو الذي يُجري عليه الحكم الشرعي ، وهذا راجع إلى توافر الشروط ، وانتفاء الموانع ،ومراعاة الحال والمآل ، أما فتح الباب لآحاد الرعية بالقتل والضرب وغيرذلك ؛ ففيه فتنة في الأرض وفساد كبير ،والواجب إبلاغ ولي الأمر، ومتابعة القضية إن أمكن ، وبهذا تبرأ الذمة ، والإثم على غيرك إن فرّط ، والله المستعان ، وانظر ماقاله صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى - (1) .
4- وفاعل هذه الجرائم ساعٍ في الإفساد في الأرض ، ومُزعزع للأمن والاستقرار ، وفاتح لأبواب الفتن ، ومُهيّج للآخرين على الاقتداء به ، أو الانتقام منه أو من غيره لضحاياهم في الحادث ، وتَسَلْسُلُ هذه الجرائم يفضي إلى نزع الأمن ، وتجرؤ الأوباش ، وقطْع السبل ، والاعتداء على المحرمات ، ونهب الأموال ، والسَّطْو على الأنفس ، والأموال ، والأعراض ،وهدم البنية التحتية والفوقية ، وخراب المساجد والأسواق ، وكل هذا يؤول إلى تدخل المتربصين في البلاد باسم المنظمات الإنسانية ، وحماية الأقليات والمصالح ، وغير ذلك من المصائب والشعارات الكاذبة ، التي أزكم نتنها الأنوف في كثير من بلدان المسلمين ، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر غيره به ، وشابه الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .
فمن كان سببًا في ذلك ؛ فليتحمل مسؤولية ما تؤول إليه هذه الأعمال ، أمام الله تعالى ، وأمام أمته ومجتمعه ، وأمام التاريخ ، ولينظر بأي زادٍ يُقبل على ربه ؟! ولينظر أي مصير ينتظر ؟! عياذًا بالله ممن زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا !! .
5- هذه الجرائم تشوِّه جمال الإسلام ، وسماحته ، وتصد عن سبيل الله عزوجل ، ويستغلها مَرْضَى القلوب والمتربصون في الداخل ، والأعداء في الخارج ، ويوظفونها لحرب الإسلام وأهله في الداخل والخارج ، كما أنها تعرِّض بلاد المسلمين لمخاطر التدخل الأجنبي – لاسيما مع ضعف المسلمين وتفككهم دولًا وشعوبا، قادةً وأفرادا - .
فهل الأعمال التي تفضي إلى هذه المفاسد – وغيرها كثير - يصح نسبتها إلى الإسلام ، أو إلصاقها به ؟ وهل فاعل ذلك على صراطٍ مستقيم ؟ وهل من يؤيده ويدافع عنه ، ويتستر عليه ، متعاون على البر والتقوى ، أم هو متعاون معه على الإثم والعدوان ؟ وهل هو مولود مبارك ، أو مشؤوم على أمة الإسلام ؟ وهل هو بهذا قد سن سنةً حسنةً ، أو سنةً سيئةً عليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ؟ .
إن هذه الأعمال الشاذة لايُسوِّغها أن بعض القائمين بها يريدون الجهاد في سبيل الله وتطبيق الحكم بما أنزل الله ، أو يريدون تغيير المنكرات التي عَمَّتْ وطَمَّتْ ، سواء في الحكام أو المحكومين ، أو يريدون محاربة الغلاء والفساد الموجودَين في البلاد ، فإن هذا كله لايُسوِّغ هذه التفجيرات ، لأسباب :
أ- أن الجهاد في سبيل الله عزوجل له شروط ، منها القوة والاستطاعة ، ومنها وجود القيادة والراية ، ومنها أن تؤول العاقبة إلى إعلاء كلمة الله ، وألا يكون الفساد المترتب على ذلك أعظم من المصالح المرجوة ،وهذه الشروط غير متوافرة فيما يسمى جهادًا اليوم، وقد جَرَّب الناس الفساد الكبير الذي حصل بسبب هذه الأعمال منذ سنوات ، وقد تراجع عدد من الدعاة إليها ، بعد أن جربوا مآلها ، وعلموا خطأهم .
ب- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايكونان ممدوحين إلا إذا كانا وفق مقاصد الشريعة المطهرة ، فإذا كان النهي عن المنكر يؤول إلى منكر أكبر مما يُراد تغييره ، صار النهي عن المنكر منكرًا أعظم .
ثم إن ذلك لايكون إلا بالعلم والحلم والرفق ، لابِدَويّ المتفجرات ، ووابل الرصاصات !!
جـ- وأما الغلاء والفساد فكلاهما شر وبلاء ، لكن تغيير ذلك يكون بالنصح بالتي هي أحسن ، وبالتعاون مع الصالح الصادق من المسؤولين في تقليل الشر ما أمكن ، والحفاظ على الخير وتكثيره ، وأما هذه الأعمال التخريبية فتزيد الغلاء فحشًا ، والفساد والمفسدين رعونةً وطيْشًا !! ولوفرضنا أن الغلاء لم يتغير ، فالصبر على فتنة الغلاء أهون من الصبر على فتنة الدماء !!
د- وأما المطالبة بالحكم بما أنزل الله ، فهي واجبةٌ على جميع العلماء، ويكون ذلك بالتي هي أحسن ، وواجبٌ على الحكام أن يستجيبوا لهم ، لكن لوفرضنا إصرار الحاكم على الحكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه لايُسوِّغ التفجيرات ، لأن التفجيرات مخالفةٌ لحكم الله ، فكيف نطالب الحكام بأن يحكموا بما أنزل الله ، ونسلك وسائل مخالفة لحكم الله أصلًا ؟!! فهل يُغَيَّر المنكر بمنكر ؟! وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتغير الزمان ، وأنه سيأتي حكامٌ عاضّون وجَبْرِيُّون ، وأن هلاك أمته على يدي أغيلمة من قريش ،وأنه سيأتي حكام يقولون ما لايفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، وقلوبهم قلوب الذئاب في جثمان إنس ،ويضربون الظهر ،ويأخذون المال ، ومع ذلك لم يأمر أمته بالقتل والقتال ، بل أمر بالصبر ، والنصح ، والسمع والطاعة في المعروف ، وعدم الخروج على الجماعة ، وكل هذا بأدلة صحيحة صريحة في الكتاب والسنة ، وأجمع عليها علماء السنة والجماعة عبر العصور والقرون ، وعَدّها المصنِّفون في معتقد أهل السنة والجماعة من معتقداتهم وأصولهم التي من خالفهم فيها فقد ضل ضلالًا بعيدا ، وليس هذا من باب الرضى بالمنكر ، ولكن من باب الفرار من الوقوع في منكرٍ أكبر ، وإثارة الفتن التي يفلت الزمام فيها من أيدي العقلاء إلى أيدي السفهاء .
فهل أصحاب هذه الأعمال أغير على حرمات الله من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي يأمر بالصبر والنصح ، وهم يأمرون بالانتحار والتفجير ؟ وهل هم أخشى من الصحابة الذين صبروا على الحجاج بن يوسف الثقفي – وفيه من الفساد ما الله به عليم - وأعلنوا السمع والطاعة له في المعروف ، وأنكروا على كثيرٍ ممن خرج عليه ؟ وهل هم أغير من أحمد بن حنبل وإخوانه العلماء الذين صبروا على أذى المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، في فتنة القول بخلق القرآن ، التي أفتى أكثر من ألف عالم بأنها مقالة كفرية تعطيلية؟! ألا يعتبرون مِنْ كل مَنْ سلك هذه المسالك عبر التاريخ ، وأنه جرّ على نفسه وعلى الأمة شرا أعظم ، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله - ؟!!
لقد آن الأوان – بل قد آن من وقتٍ طويل – أن يراجع أصحاب هذه الأفكار أنفسهم ، وأن يحاسبوا بعضهم بتجردٍ وإخلاص ، وأن يسترشدوا من أهل العلم الكبار ، أهل الحلم والفضل ، والعلم والتجربة ، وأن يلزموا غرزهم ، ويكفيهم ما قد جَنوْا على أنفسهم وعلى الأمة ، فعسى أن يغفر الله – عزوجل – لهم ما اقترفت أيديهم ، وعسى أن يقبل الله عزوجل توبتهم ، ويغسل حوبتهم ، وإلا فإن أفلتوا من عقوبة الدنيا – وأنَّى ذلك لمن يفجِّر نفسه قبل غيره – فلن يفلتوا مِنْ حساب مَنْ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
وأما من كان يفعل ذلك ولاينتمي للدعوة ، إنما ينفذ مخططات المجرمين في الداخل والخارج لإشعال الفتنة ، وهدم الخير وإماتته ، ونشر الهرج ورفْع رايته ، فنسأل الله أن يهديه، ويكفينا شره، أو يقصم ظهره ، ويجعله عبرة للمعتبرين ، وأن ينـزل به باقعة ليس لها راقعة .
هذا بيان ونصيحة مختصرة بسبب هذا الحادث الإرهابي – سواء كان مرتكبه ممن ينتمي إلى دعوة إسلامية ، أو كان ممن ينتمي إلى منظمات عالمية أو إقليمية همها التخريب والإفساد في الأرض – وأما التوسع في ذلك فله محل آخر ، وقد فصَّلْتُ القول في هذه المسألة في كتابي : " فتنة التفجيرات والاغتيالات : الأسباب ، والآثار ، والعلاج " فليرجع إليه من شاء ، وأسأل الله بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى ، أن يهدينا سواء الصراط ، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يقينا شر فتنة لاتصيبن الذين ظلموا خاصة ، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، وأن يكفينا وبلادنا والمسلمين شر الخبثاء الكائدين والجهلاء العابثين ، إنه أكرم مسؤول ، وأعظم مأمول ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
صدر من دار الحديث بمأرب
وكتبه: أبوالحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
18 / 6 / 1428 هـ
.
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ولاعدوان إلا على الظالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أما بعد :
فلقد سمعنا بهذا الحادث التخريبي الإجرامي الذي جرى في عصر يوم الأحد 16 جمادى الآخرة / 1428هـ في محافظة مأرب ، والذي خلاصته : انفجار سيارة مفخخة في عدد من السيارات التي تحمل السُّيَّاح الأجانب ومرافقيهم من اليمنيين ، والذي تضرر بسببه إحدى وعشرون نفسًا من القتلى والمصابين من السياح الأسبانيين ، ومرافقيهم –وغيرهم- اليمنيين ، كما ذكر ذلك بعض المواقع الإخبارية .
وإن هذا الحادث المروِّع الذي هَزَّ المنطقة – كما أُخبرتُ – وغيره من الحوادث المماثلة في اليمن وغيره من البلاد الإسلامية وغيرها، ليدل على وجود أناس أصحاب نوايا شريرة ، أو خضعوا لتعبئة خاطئة ، ولهم ضمائر وعقول يلعب بها آخرون .
وقد جُرِّب أن الذين يقومون بهذه الأعمال التخريبية الإرهابية، أقوام لهم مقاصد مختلفة ، ومشارب واتجاهات متعددة : فمنهم من ينتمي إلى الدعوة الإسلامية – والدعوة بريئة من عمله هذا – سواء كانوا من بعض الجماعات السنية أو الشيعية ، ومنهم من ينتمي إلى منظمات عالمية أو إقليمية – رسمية كانت أو غير رسمية – لتصفية حسابات عامة وخاصة في دولهم ، ويريدون إثارة الفتن بين جهات متصارعة سياسيًا أو عسكريًا ، وسواء كان الذين وراء هذا الحادث الإرهابي من هؤلاء أو من أولئك – فإني لا أعلم حتى الآن الحقيقة - فإن هذا عمل لايقره دين ، ولاعُرْف صحيح ، ولا عقل صريح ، بل هذه الأعمال تدل على وجود من يبيع دينه بدنيا غيره ، أو من يُسْلم عقله وزمامه لمن يذهب به إلى الهاوية ،ويعطل نعمة العقل ، التي هي من أعظم النعم ، ويكون إمَّعةً لجاهل ، أو لمتحمسٍ بلا بصيرة ، والله المستعان .
إن المرء الذي يفجِّر نفسه وغيره – بهذه الصورة المشينة – قد ارتكب عددًا من الجرائم ، منها :
1- أنه قتل نفسه ، والله سبحانه وتعالى يقول : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم : أن رجلًا جُرح ، ولم يصبر على جرحه ، فأخذ مشاقص ، وقطع بها براجمه - أي أصابعه - فما رقأ الدم – أي لم يجف الدم – حتى مات ، فقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يحكيه عن ربه عزوجل أنه قال: " بادرني عبدي بنفسه ؛ حرمتُ عليه الجنة " وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " من قتل نفسه بحديدة ؛ فهو يتوجأ – أي يطعن - بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ...الحديث ، هذا فيمن جرح أصابعه ، أو طعن نفسه بحديدة فمات ، فما ظنكم بمن يفجِّر نفسه حتى تتطاير أشلاؤه، وتتناثر عظامه ودماؤه، أو يحرق نفسه حتى يصير كالحممة السوداء ؟ فنعوذ بالله من الموت الذي يُظْلم المرء فيه داره في الدنيا ، وقبره ، وآخرته !!
2- أنه يتسبب في قتل غيره من المؤمنين الذين عصم الله دماءهم وأموالهم بشهادة التوحيد ، والله تعالى يقول :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} ويقول سبحانه وتعالى:{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لزوال الدنيا أهْون على الله من قتْل امرئٍ مسلم بغير حق " (1) وفي " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، وقتل النفس ... " .
3- أن فاعل ذلك يقتل السياح الذين دخلوا البلاد بالعهد والأمان من قبل المختصين بهذه الإجراءات ، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " من قَتَل نفسًا معاهَدةً بغير حلِّها ؛ حرَّم الله عليه الجنةأن يشم ريحها " (2) وقال أيضًا - صلوات الله وسلامه عليه - : " من أمَّن رجلًا على دمه ، فقتَله ؛ فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول كافرًا " (3) .
ففاعل ذلك يتبرأ منه المصطفى – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وذلك لخيانته العهد ، والله تعالى يقول : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }ويقول سبحانه وتعالى : {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } .
والأمان الذي يعطيه وليّ الأمر ، أو الوزارات والدوائر المختصة بذلك لايجوز هتك حرمته ، ولا الاعتداء على من أُعطي له،لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث علي بن أبي طالب – رضي الله غته - : " ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلمًا – أي نقض عهده – فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين ، لايقبل الله منه يوم القيامة صَرْفًا ولا عَدْلًا " (4) .
وقد قال العلامة البارع الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في شرح هذا الحديث في " شرح رياض الصالحين " (1) : " ذمة المسلمين واحدة ، يعني : عهدهم واحد ، إذا عاهد أحد من المسلمين ممن لهم ولايات العهد ، ثم خفر ذمته أحد ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين .
فمثلًا : إذا دخَل كافر إلى البلاد في أمان وعهد ممن لهم ولاية العهد ، أو غيرهم ممن له الأمان ، ثم خفره أحد ؛ استحق اللعنة من الله والملائكة والناس أجمعين ، لو أن كافرًا دخَل بأمان ، وآواه رجل مؤمن ، وقال له : ادخل أنت في جواري ، ثم جاء إنسان وقتل هذا الكافر – رغم أمانه من المسلم – فعلى القاتل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، نسأل الله العافية !! كيف إذا دخل بأمان ولي الأمر ، على أنه مؤتمن ، وفي جوار وأمان الدولة ، ثم يأتي إنسان فيقتله !! هذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وفي هذا دليل على حماية الدين الإسلامي لمن دخل بأمانه وجواره ، وأن الدين الإسلامي لايعرف الغدر والاغتيال والجرائم ، إنه دين صريح ، وبهذا نعرف غلط من يغدرون بالذمم ، ويخونون ، ويعتالون أناسًا لهم عهد وأمان ، وأن هؤلاء مستحقون لما أعلنه أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه – :عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، والعياذ بالله ..." الخ كلامه – رحمه الله - .
قلت : وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أمَّن رجالًا من المشركين ، كانوا يؤذون الله ورسوله والمؤمنين ، فلما كان يوم الفتح لاذوا بأم هانئ بنت أبي طالب – وهي امرأة من جملة المسلمين – وأراد عليٌّ – رضي الله عنه – قتلهم ،وقد دخلوا في أمان أخته، فأبتْ عليه أن يقتلهم ، وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما يريده أخوها علي ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " قد أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ ، وأمَّنّا مَنْ أمَّنْتِ يا أم هانئ " أخرجه البخاري ومسلم مختصرًا ، وبوّب له البخاري بقوله : باب أمان النساء وجوارهن، فإذا كان الإسلام يحترم أمان امرأة ،ويجعل أمانها من أمان المؤمنين جميعًا ، فكيف بأمان ولي الأمر ؟!
( تنبيه ) : ليس كل من كان كافرًا يجوز قتله ، وإن لم يكن معه أمان ، إنما يكون ذلك لمن يحارب المسلمين ، ويخرجهم من ديارهم ، ويظاهر على إخراجهم ، فإن لم يكن كذلك – وإن كانت دولته تحارب المسلمين – فلا تزر وازرة وزر أخرى ، ولو فرضنا أنه محارِب بنفسه ؛ فالمرجع إلى ولي الأمر ، هو الذي يُجري عليه الحكم الشرعي ، وهذا راجع إلى توافر الشروط ، وانتفاء الموانع ،ومراعاة الحال والمآل ، أما فتح الباب لآحاد الرعية بالقتل والضرب وغيرذلك ؛ ففيه فتنة في الأرض وفساد كبير ،والواجب إبلاغ ولي الأمر، ومتابعة القضية إن أمكن ، وبهذا تبرأ الذمة ، والإثم على غيرك إن فرّط ، والله المستعان ، وانظر ماقاله صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى - (1) .
4- وفاعل هذه الجرائم ساعٍ في الإفساد في الأرض ، ومُزعزع للأمن والاستقرار ، وفاتح لأبواب الفتن ، ومُهيّج للآخرين على الاقتداء به ، أو الانتقام منه أو من غيره لضحاياهم في الحادث ، وتَسَلْسُلُ هذه الجرائم يفضي إلى نزع الأمن ، وتجرؤ الأوباش ، وقطْع السبل ، والاعتداء على المحرمات ، ونهب الأموال ، والسَّطْو على الأنفس ، والأموال ، والأعراض ،وهدم البنية التحتية والفوقية ، وخراب المساجد والأسواق ، وكل هذا يؤول إلى تدخل المتربصين في البلاد باسم المنظمات الإنسانية ، وحماية الأقليات والمصالح ، وغير ذلك من المصائب والشعارات الكاذبة ، التي أزكم نتنها الأنوف في كثير من بلدان المسلمين ، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر غيره به ، وشابه الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .
فمن كان سببًا في ذلك ؛ فليتحمل مسؤولية ما تؤول إليه هذه الأعمال ، أمام الله تعالى ، وأمام أمته ومجتمعه ، وأمام التاريخ ، ولينظر بأي زادٍ يُقبل على ربه ؟! ولينظر أي مصير ينتظر ؟! عياذًا بالله ممن زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا !! .
5- هذه الجرائم تشوِّه جمال الإسلام ، وسماحته ، وتصد عن سبيل الله عزوجل ، ويستغلها مَرْضَى القلوب والمتربصون في الداخل ، والأعداء في الخارج ، ويوظفونها لحرب الإسلام وأهله في الداخل والخارج ، كما أنها تعرِّض بلاد المسلمين لمخاطر التدخل الأجنبي – لاسيما مع ضعف المسلمين وتفككهم دولًا وشعوبا، قادةً وأفرادا - .
فهل الأعمال التي تفضي إلى هذه المفاسد – وغيرها كثير - يصح نسبتها إلى الإسلام ، أو إلصاقها به ؟ وهل فاعل ذلك على صراطٍ مستقيم ؟ وهل من يؤيده ويدافع عنه ، ويتستر عليه ، متعاون على البر والتقوى ، أم هو متعاون معه على الإثم والعدوان ؟ وهل هو مولود مبارك ، أو مشؤوم على أمة الإسلام ؟ وهل هو بهذا قد سن سنةً حسنةً ، أو سنةً سيئةً عليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ؟ .
إن هذه الأعمال الشاذة لايُسوِّغها أن بعض القائمين بها يريدون الجهاد في سبيل الله وتطبيق الحكم بما أنزل الله ، أو يريدون تغيير المنكرات التي عَمَّتْ وطَمَّتْ ، سواء في الحكام أو المحكومين ، أو يريدون محاربة الغلاء والفساد الموجودَين في البلاد ، فإن هذا كله لايُسوِّغ هذه التفجيرات ، لأسباب :
أ- أن الجهاد في سبيل الله عزوجل له شروط ، منها القوة والاستطاعة ، ومنها وجود القيادة والراية ، ومنها أن تؤول العاقبة إلى إعلاء كلمة الله ، وألا يكون الفساد المترتب على ذلك أعظم من المصالح المرجوة ،وهذه الشروط غير متوافرة فيما يسمى جهادًا اليوم، وقد جَرَّب الناس الفساد الكبير الذي حصل بسبب هذه الأعمال منذ سنوات ، وقد تراجع عدد من الدعاة إليها ، بعد أن جربوا مآلها ، وعلموا خطأهم .
ب- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايكونان ممدوحين إلا إذا كانا وفق مقاصد الشريعة المطهرة ، فإذا كان النهي عن المنكر يؤول إلى منكر أكبر مما يُراد تغييره ، صار النهي عن المنكر منكرًا أعظم .
ثم إن ذلك لايكون إلا بالعلم والحلم والرفق ، لابِدَويّ المتفجرات ، ووابل الرصاصات !!
جـ- وأما الغلاء والفساد فكلاهما شر وبلاء ، لكن تغيير ذلك يكون بالنصح بالتي هي أحسن ، وبالتعاون مع الصالح الصادق من المسؤولين في تقليل الشر ما أمكن ، والحفاظ على الخير وتكثيره ، وأما هذه الأعمال التخريبية فتزيد الغلاء فحشًا ، والفساد والمفسدين رعونةً وطيْشًا !! ولوفرضنا أن الغلاء لم يتغير ، فالصبر على فتنة الغلاء أهون من الصبر على فتنة الدماء !!
د- وأما المطالبة بالحكم بما أنزل الله ، فهي واجبةٌ على جميع العلماء، ويكون ذلك بالتي هي أحسن ، وواجبٌ على الحكام أن يستجيبوا لهم ، لكن لوفرضنا إصرار الحاكم على الحكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه لايُسوِّغ التفجيرات ، لأن التفجيرات مخالفةٌ لحكم الله ، فكيف نطالب الحكام بأن يحكموا بما أنزل الله ، ونسلك وسائل مخالفة لحكم الله أصلًا ؟!! فهل يُغَيَّر المنكر بمنكر ؟! وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتغير الزمان ، وأنه سيأتي حكامٌ عاضّون وجَبْرِيُّون ، وأن هلاك أمته على يدي أغيلمة من قريش ،وأنه سيأتي حكام يقولون ما لايفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، وقلوبهم قلوب الذئاب في جثمان إنس ،ويضربون الظهر ،ويأخذون المال ، ومع ذلك لم يأمر أمته بالقتل والقتال ، بل أمر بالصبر ، والنصح ، والسمع والطاعة في المعروف ، وعدم الخروج على الجماعة ، وكل هذا بأدلة صحيحة صريحة في الكتاب والسنة ، وأجمع عليها علماء السنة والجماعة عبر العصور والقرون ، وعَدّها المصنِّفون في معتقد أهل السنة والجماعة من معتقداتهم وأصولهم التي من خالفهم فيها فقد ضل ضلالًا بعيدا ، وليس هذا من باب الرضى بالمنكر ، ولكن من باب الفرار من الوقوع في منكرٍ أكبر ، وإثارة الفتن التي يفلت الزمام فيها من أيدي العقلاء إلى أيدي السفهاء .
فهل أصحاب هذه الأعمال أغير على حرمات الله من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي يأمر بالصبر والنصح ، وهم يأمرون بالانتحار والتفجير ؟ وهل هم أخشى من الصحابة الذين صبروا على الحجاج بن يوسف الثقفي – وفيه من الفساد ما الله به عليم - وأعلنوا السمع والطاعة له في المعروف ، وأنكروا على كثيرٍ ممن خرج عليه ؟ وهل هم أغير من أحمد بن حنبل وإخوانه العلماء الذين صبروا على أذى المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، في فتنة القول بخلق القرآن ، التي أفتى أكثر من ألف عالم بأنها مقالة كفرية تعطيلية؟! ألا يعتبرون مِنْ كل مَنْ سلك هذه المسالك عبر التاريخ ، وأنه جرّ على نفسه وعلى الأمة شرا أعظم ، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله - ؟!!
لقد آن الأوان – بل قد آن من وقتٍ طويل – أن يراجع أصحاب هذه الأفكار أنفسهم ، وأن يحاسبوا بعضهم بتجردٍ وإخلاص ، وأن يسترشدوا من أهل العلم الكبار ، أهل الحلم والفضل ، والعلم والتجربة ، وأن يلزموا غرزهم ، ويكفيهم ما قد جَنوْا على أنفسهم وعلى الأمة ، فعسى أن يغفر الله – عزوجل – لهم ما اقترفت أيديهم ، وعسى أن يقبل الله عزوجل توبتهم ، ويغسل حوبتهم ، وإلا فإن أفلتوا من عقوبة الدنيا – وأنَّى ذلك لمن يفجِّر نفسه قبل غيره – فلن يفلتوا مِنْ حساب مَنْ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
وأما من كان يفعل ذلك ولاينتمي للدعوة ، إنما ينفذ مخططات المجرمين في الداخل والخارج لإشعال الفتنة ، وهدم الخير وإماتته ، ونشر الهرج ورفْع رايته ، فنسأل الله أن يهديه، ويكفينا شره، أو يقصم ظهره ، ويجعله عبرة للمعتبرين ، وأن ينـزل به باقعة ليس لها راقعة .
هذا بيان ونصيحة مختصرة بسبب هذا الحادث الإرهابي – سواء كان مرتكبه ممن ينتمي إلى دعوة إسلامية ، أو كان ممن ينتمي إلى منظمات عالمية أو إقليمية همها التخريب والإفساد في الأرض – وأما التوسع في ذلك فله محل آخر ، وقد فصَّلْتُ القول في هذه المسألة في كتابي : " فتنة التفجيرات والاغتيالات : الأسباب ، والآثار ، والعلاج " فليرجع إليه من شاء ، وأسأل الله بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى ، أن يهدينا سواء الصراط ، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يقينا شر فتنة لاتصيبن الذين ظلموا خاصة ، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، وأن يكفينا وبلادنا والمسلمين شر الخبثاء الكائدين والجهلاء العابثين ، إنه أكرم مسؤول ، وأعظم مأمول ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
صدر من دار الحديث بمأرب
وكتبه: أبوالحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
18 / 6 / 1428 هـ
.